عماد الدين خليل
298
دراسة في السيرة
في مواجهة الإسلام وخصومته ، ووضع العوائق في طريقه ، وحبك المؤامرات ضده ، وقضى قضاء تاما على القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية ليهود الحجاز ، وغدت كلمة الإسلام وحدها هي العليا في معظم مساحات الجزيرة العربية ، وكبتت كل الجيوب التي كانت تشكل نقاط ضعف في جسد هذه الدولة التي يحيط بها الأعداء من كل مكان . ويذكر ابن سعد أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم نشط في نفس العام ( 7 ه ) في الكتابة إلى زعماء بقايا التجمعات اليهودية في أقصى الشمال لتحديد موقفها من الإسلام . فبعث إلى بني جنبة بمقنا القريبة من أيلة على خليج العقبة « أما بعد ، فقد نزل علي رسلكم ، راجعين إلى قريتكم ، فإذا جاءكم كتابي هذا فإنكم آمنون لكم ذمة اللّه وذمة رسوله ، وإن رسول اللّه غافر لكم سيئاتكم وكل ذنوبكم لا ظلم عليكم ولا عدى ، وإن رسول اللّه جاركم مما منع منه نفسه . . وإن عليكم . . ربع ما أخرجت نخلكم وربع ما صادت عروككم ( مراكبكم ) وربع ما اغتزل نساؤكم وإنكم برئتم - بعد - من كل جزية أو سخرة . فإن سمعتم وأطعتم فإن على رسول اللّه أن يكرم كريمكم ويعفو عن مسيئكم . . وإن ليس عليكم أمير إلا من أنفسكم أو من أهل رسول اللّه . . . » ، وكتب لجماعة أخرى من اليهود تدعى بني غاديا ( . . إن لهم الذمة وعليهم الجزية ولا عداء . . ) كما كتب لبني عريض كتابا آخر يحدد فيه ما عليهم أن يدفعوه للمسلمين لقاء حمايتهم لهم وعدم ظلمهم إياهم « 1 » . وكتب لأهل جرباء وأذرح من اليهود ، « أنهم آمنون بأمان اللّه وأمان محمد ، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة ، واللّه كفيل عليهم بالنصح والإحسان للمسلمين ومن لجأ إليهم من المسلمين » « 2 » . وبذلك تمكن الرسول صلى اللّه عليه وسلم من تحويل هذه التجمعات اليهودية في أقصى الشمال إلى جماعات من المواطنين في الدولة الإسلامية ، يدفعون لها ما تفرضه عليهم من ضرائب نقدية أو عينية ، ويحتمون بقوتها وسلطانها ، ويتمتعون بعدلها وسماحتها . ولقد ظل اليهود بعدئذ ، كمواطنين وليسوا كتلا سياسية أو عسكرية ، يمارسون حقوقهم في إطار الدولة الإسلامية ، لا يمسهم أحد بسوء ، وعاد بعضهم
--> ( 1 ) الطبقات الكبرى 1 / 2 / 28 - 30 . ( 2 ) المصدر السابق 1 / 2 / 37 - 38 .